احمد وعلي عنيسي

شد الرباط الاحمر على جبينه ومشى، يتطلع الى الافق الملون، القريب البعيد، والربيع امامه يمشي، ويطوف الجمال بين عينيه وقلبه.

والانوار ترتمي على سبحات وجهه الزهري، وتعود لترتمي على صورة وجهه المرسومة في الماء، فكان اينما حل هو حلّ شعاع ذهبي متصل بالسماء. فتحار فيه عيون الناظرين لبهائه، ولسطوته على قلوبهم.

احمد، ابن بلدة شحور الجنوبية قضاء صور، ولد عام 1958، في ظل اسرة مؤمنة انشأت ابناءها على الاخلاق الحسنة، والمبادئ الفضلى، ففاض بيتهم ادباً وايماناً ومحبة.

تربى وسط اخوته ولمع بينهم. تميز بشخصيته القوية الصلبة والراشدة، وبذكائه المتوقد ونشاطه المفرط، وكان قلما ينزل الى الشارع ليلعب مع اترابه، تراه يتنقل، يركض، يخوض الصعاب دون خوف او تردد.

سكنت العائلة في بداية الامر في النبعة، ثم تهجرت الى قرية شحور مسقط رأس احمد، بسبب اوضاع الحرب السائدة آنذاك، فاضطر لترك مقاعد الدراسة باكراً.

كما وكانت العائلة كثيرة الترحال من بلد الى بلد، واول رحلة لأحمد كانت الى الكويت حيث عاشوا هناك فترى من الزمن، انتقلوا بعدها الى العراق وذلك في العام 1975.

قضى احمد في العراق قسطاً من الزمن، ولأنه كبر عن سنه وفاض فيه حس المسؤولية، نزل الى ميدان العمل حاملاً معه تقاسيم بريئة ويدين ناعمتين. فعمل في مهنة الدهان وسرعان ما اشتد عوده واصبح حديث الناس لإبداعه في مهنته، وشجاعته واصراره على تلوين حياته بألوان اختارها بنفسه، حتى تكون له عالمه الخاص الذي يريد.

توجه بعدها الى السعودية ونال فيها مالاً وفيراً بكده وعرقه وذكائه، ولكن شاء القدر ان يشاركه شخص من اهل تلك البلاد في عمله، سرقه وغصبه حقه وعاد الى اهله صفر اليدين.

وبالرغم من ذلك لملم احمد شتات نفسه ولم ييأس وتنقل من عمل الى عمل، ومن مكان الى مكان، ولكنه كان دائماً يشعر بالفراغ وبشيء يشده في الداخل لا يعلمه. الى ان عاد الى لبنان يبحث عن ضالته، ليجد الدفء الذي صبا اليه مذ كان طفلا يحبو.

تزوج الحاج احمد ورزق بخمسة اولاد من بينهم ابنه "علي". عمل وزوجته على تربيتهم تربية صالحة على اسس الدين الحنيف، والاخلاق الحسنة والمعاملة الطيبة، فكانوا عائلة متناغمة متميزة. سعى الوالد الى تعليم ابنائه وتأمين حياة كريمة لهم حتى يعوضهم ما حُرِمه هو، فكان لهم نعم الاب المضحي والحنون، المربي والمهذِّب.

 اما بالنسبة لحياته العبادية، فكان دوماً صائماً نهاره قائماً ليله، يصوم الايام المستحبة من السنة، ويصلي في الليل صلاة تصل الى عليين.

كما اعتاد الذهاب الى المسجد برفقة اولاده الذكور لإحياء المناسبات الاسلامية. كان احمد داعماً كبيراً للمقاومة والمجاهدين معنوياً ومادياً، لكن هذا الدعم لم يشف فؤاده، بل سعى لأن يكون مجاهداً مقاوماً يغرز اظافره في صدر العدو المحتل. وانطلق للعمل مع المقاومة وهو في اواسط الثلاثينات، وخاض العديد من الدورات العسكرية، وفي اغلبها كان هو اكبرهم سناً، لم يثنه ذلك عن الاستمرار، فأن تصل متأخراً خير من ان لا تصل ابداً.

وفي فترة وجيزة اصبح الحاج احمد مقاوما مغوارا، مضيفاً هذه الصفة الى سجله الحافل من الروحية العالية والتدين القوي، والايمان العميق، والنفس الكريمة...

وكان علي ابنه يراقب والده ويتعلم منه ، والوالد بدوره يحرص على ان يرشد ولده الى طريق الجهاد.

فكان للحاج احمد كما اراد، فابنه علي سرعان ما اصبح جندياً من جند حزب الله، مقاوماً ، اسداً لا يهاب الموت، مؤمناً متديناً، خلوقاً مهذباً.

 وعلي ولد في بلدة شحور الجنوبية عام 1988، وكان الشعلة الثانية من ولد الحاج احمد، والشعلة الاولى بين الذكور، فتكبره اخته سارة بسنة واحدة، ويليه التوأم حسن وحسين، وآخر العنقود فاطمة.

تربت هذه العائلة افضل تربية على يد والدين قديرين، لم يغمض لهما جفن، او يهنأ لهما بال قبل ان يتأكدا من ان اولادهما في تمام سعادتهم وراحتهم، وسعيا لأن تكون عائلتهم الصغيرة مثالاً للعائلات في رفعة الاخلاق ومعالي الادب، ولم ينثنيا يوماً عن تقديم كل الحنان والعطف لهم. فنعم المربي ونعم القطاف.

وعلي ابن هذه العائلة، المهذب الهادئ، المجتهد في دراسته، كان ينتظر صدور نتائج الامتحانات الرسمية الثانوية في تموز 2006، وصدرت النتائج ونجح علي، لم تسع الفرحة صدر والده، فراح يوزع الحلوى على كل من يمر بطريقه فحبيبه علي نال شهادته الاولى بتفوق، اما الشهادة الثانية فلم يقبل الحاج احمد الا وان تكون بين يديه، شهادة تصعّد الى السماء.

ففي اوج فرح العائلة بنجاح علي اذيع خبر اسر الجنديين الاسرائيليين من قبل المقاومة السلامية، وبدأ وابل من القصف على بيروت والقرى الجنوبية والبقاعية  وسائر المناطق اللبنانية.

شد الحاج احمد على جبينه وربت على كتف ولده وامسك بيده وانطلقا معاً، كتفاً بكتف، وزنداً بزند، واخذا يلقنان العدو دروساً في الاقدام والايثار والبطولة.

رغم ان قيادة المقاومة لم توافق على ان يكون الاب والابن في ذات النقطة، الا ان اصرارهما الشديد على البقاء معاً حال دون رفض القيادة وبقيا جنباً الى جنب.

والحاج احمد ينظر الى بسالة ولده وعيناه تغرورقان بالدموع فرحاً وترقباً، فنظر علي الى والده وابتسم وجمع اصابعه في قبضته وجعلها على قلبه، فابتسم الوالد وتمتم بكلمات واغمض عينيه...

استيقظ بعدها على صوت علي بسنواته الاربع، يركض في البستان خلف فراشة ملونة ويلوح له بيده، والرؤية متعذرة من الضباب الابيض، والهدوء برائحة البنفسج، فنظر الحاج احمد الى نفسه: يلبس زيه العسكري الممزق، وقبضته على قلبه، ايقن عندها اين هو...

الشهيدان احمد وعلي عنيسي استشهدا في حرب تموز2006 -الوعد الصادق- اثناء تصديهما للعدوان الاسرائيلي على مدينة صور، استشهدا على نفس الراجمة، في نفس البقعة.

والكلام للزوجة - الوالدة، اثناء تكريمها في حفل تخريج ابناء وبنات الشهداء السنوي والذي حمل اسم ابنها الشهيد علي عنيسي:

"اشعر بالفرح والعزة والكرامة واقول لابني علي الله يبيض وجهك كما بيضت وجهي عند سيدتي فاطمة الزهراء عليها السلام. واشعر بان هذه السنوات الست التي مضت نسيت تعبها اليوم.

اشعر بوجوده دائماً واراه في كل خريج من بين هؤلاء الابناء. واشكر السيد حسن على هذا التكريم الخاص فهو والدنا وسيدنا وقائدنا ورمز مقاومتنا واهنئه بهذا اليوم الميمون واشكره لانه حفظنا واكرمنا وظللنا برعايته."

وقالت لمؤسسة الشهيد: "مؤسسة الشهيد اسرتي اشكرها فهي اهلي واشعر بالانتماء لها اكثر مما اشعر بالانتماء الى عائلتي الحقيقية، اشكرهم على هذه الفرصة التي ادخلت السرور على قلبي."