امراء الجنة: الشهيد الحاج علي حسن ديب

 امراء الجنة مع القائد الشهيد الحاج علي ديب أبو حسن سلامة

 

نسرين إدريس‏

 

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

"رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللَّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار".

صدق الله العلي العظيم‏

" آن لجسدِ أبي حسنٍ أن يرتاح، وان لروحه الوثابة الثائرة أن تهدأ، وان للعاشق أن يصل (...) ليس مفاجئاً أن يُستَشهد أبو حسن، وإنّما المفاجى‏ء أن يبقى حيّاً إلى مثل هذا اليوم. فأبو حسن حمل دمه على كفه، واتخذ قرار الشهادة منذ زمنٍ طويل، وشاء اللَّه تعالى أن يمدَّ في عمره ليملأ الساحة جهاداً وتضحية وعطاءً، ونبلًا وشرفاً ورجوليةً وشهامةً (...) وهو الأب الحنون العطوف، والأخ الودود الرؤوم ..."

سماحة السيد حسن نصر اللَّه‏

الاسم: علي حسن ديب‏

اسم الأم: فوزية حمود

محل وتاريخ الولادة: كونين 3/ 2/ 1957

الوضع العائلي: متأهل وله خمسة أولاد (والد الشهيد حسين ديب)

رقم السجل: 36

محل وتاريخ الاستشهاد: أغتيل في منطقة عبرا صيدا 17/ 7/ 1999

أيُ قلم هذا الذي يذرف كلماته ليدّون على خلوّ الصفحات مقتطفات من سيرة رجلٍ عاش في قلب التاريخ، وضخّ في سطوره أسمى معاني الإيثار والتضحية .." أبو حسن سلامة"، اسم يختصر مراحل الكفاح، ففي كل حرف من حروف اسمه نلمحُ أبطالًا مقاومين عبروا الليل على أوتار الموت .. وشهداء نبتوا شقائق نعمان في حقول الأفئدة الحزينة .. ومن الصعب جداً الاقتراب من شخص الشهيد" علي ديب" للتحدث عنه كإنسانٍ له في الحياة بعض الزوايا الخاصة والشخصية، لأنه تمازج ومسيرة المقاومة منذ انطلاقتها، وذوّب روحه في خطّ الإمام الخميني (ع)، حتى صار رجلًا يتنفس ويتكلم، ويسمع ويرى الجهاد والمقاومة ..

فمن كونين التي مزّق الاحتلال الصهيوني نقاب عزّها، جاء" علي ديب" وقد أنهكت كاهله الجراح، وهو لا يزال فتى صغيراً، فشرّع نوافذ أيامه الآتية لرياح الغضب، ليمحو سياط الذّل التي حفرت أخاديد القهر على ظهور الفقراء والمستضعفين ..

ولأنه عاش في زمن الحرب، لم يعرف أبو حسن في حياته غير البندقية والرصاص. ومن شوارع الضاحية الجنوبية، عرين الأسود، كانت الانطلاقة. ففي العام 1970، حمل‏ السلاح وهو لا يتجاوز الرابعة عشرة من العمر، فكان يبحث في زواريب بيروت عن معنى الحياة، ويتطلّع إلى القدس المسبية بعين القلب، يجذّ خطاه في دروب الموت، يحمل قنديل الدم لينير أرصفة الثورة والكفاح. فوقف جنباً إلى جنب مع الفلسطينيين المقاتلين في سبيل الرجوع إلى أرضهم التي أُبعدوا عنها، وتماسكت يده مع أيديهم ليمزقوا السياج الصهيوني الذي نبت على المفاصل الواهنة في جسم لبنان الملتهب بالحروب .. فخاض العديد من المعارك، مسجلًا العديد من المواقف البطولية على صفحات المواجهات الدامية مع العدو الصهيوني. وقد عُرف آنذاك باسم" خضر سلامة" .. وكان من أوائل المشاركين في التصدي للاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1978 ..

وفي عام 1979، كان انتصار الجمهورية الإسلامية الإيرانية العظيم، إشراقة أمل على جبين المجاهدين الشرفاء، الذين يتطلّعون نحو شمس الحرية بين غيوم الظلم والقتل والدمار .. ولم يكن اسم الإمام الخميني (ع) بالنسبة إلى" خضر سلامة" ورفاقه حدثاً أثّر على العالم أجمع فحسب، بل بوّابة عبور إلى الميناء الذي تهفو إليه قلوبهم العابقة بالثورة الحسينية، ومبادئها التائقة إلى مرشدٍ بحجم المرحلة والصراع ..

ولم تكن الحياة لأبي حسن سوى صارية سفرٍ فَرَدَ عليها شراع عشقه للَّه ليبحر إليه، ولم تكن أيامها بالنسبة إليه سوى حفنة بارود ملأت يده، ولوّن بها وجدانه وقلبه .. حتى عندما أراد أن‏ يتزوج، طلبت إليه زوجته أن يترك السلاح، أو أن يفرّغ القليل من وقته لنفسه، فرفض، وأخبرها أنه لن يترك طريق الجهاد حتى يلاقي ربه شهيداً، فازدادت إعجاباً به وبشخصيته الفذّة، وقراراته الحاسمة، فحوّلها طوال سني حياتهما إلى امرأة مجاهدة أزرته في كل محن الحياة ..

وبين لهيب النار ودخان الحرب الحارقة في العام 1982، تخاذل الكثيرون أمام دبابات الجيش الإسرائيلي القادمة على جماجم الأبرياء والمظلومين، فقاد" أبو حسن" التصدي البطولي على محور خلدة، وساق الملالة التي غنمها المجاهدون، وقد جاء بخوذة إسرائيلي مليئة بالدم، ووضعها أمام ولديه الصغيرين" حسن" و" حسين"، قائلًا لهما: هذه خوذة يهودي مليئة بالدماء .. إنه عدّو لنا ..". وقد أراد الشهيد أبو حسن أن يعلّم ابنيه منذ نعومة أظفارهما، الهدف الذي كرّس لأجله حياته وحياتهما، ليكونا مثله، هو الذي لم يعش الحياة إلا وقد حمل جعبة الموت .. و" شارك بقوّة في معارك معمل الزجاج ومفرق بشامون، وعلى محور كنيسة مارمخايل، حيث بذل مجهوداً مكثفاً لصدّ المحاولات الإسرائيلية للدخول إلى العاصمة بيروت ..". وعلى الرغم من تخلّي الكثيرين عن أولئك المجاهدين، معتبرين مقارعة جيش كجيش" إسرائيل" ضرباً من الجنون، فقد استطاعت هذه القلّة من المخلصين، الذين شكلّوا النواة الأولى لجسم حزب اللَّه، أن تشق دروب النصر في مساحاتٍ من الصراع غير المتوازن. وبين‏ عملية نوعية وعملية استشهادية، واقتحام وهجوم، لمع نجم المقاومة الإسلامية في سماء الجهاد الذي رصعوه بأرقى التضحيات، وكان أبو حسن سلامة من أبرز الأشخاص الذين ساهموا في تطوير أداء المقاومة، لناحية تعاطيها مع المتغيرات الميدانية والسياسية والعسكرية على أرض لبنان ..

بدأت مسيرة حزب اللَّه، ولم يكن الالتحاق بها لأيٍ من أفرادها فورةً فرضتها الوقائع الميدانية فاستجابت لها النفس بالموقف وباليسير من التضحيات، بل عقيدة ومبادئ تعبّد الطريق أمام المرء، ليكون الإنسان المتحمّل لإنسانيته، المضحي بكل شي‏ء حتى نفسه وولده في سبيل القضية التي امن بها .. لقد عرف أبو حسن سلامة أن هذا الخيار هو خيار الجوع والإبعاد والقهر والموت، لكنه أيضاً خيار اللَّه، فابتعد عن كل ما يمكن أن يلهيه ولو لحظة عن هذه المسيرة، ووضع مصلحة المقاومة الإسلامية في رأس أولوياته. بل كانت قاعدة حياته حتى في منزله، بين عائلته وأهله، الهمّ الأكبر هو المقاومة. فعُرف بإخلاصه وتفانيه والتزامه الشديد بخط ولاية الفقيه، وقد قُلِّد وساماً من الإمام الراحل الخميني (ع) على عطاءاته المميزة .. وقد خضع لدورات عسكرية وأمنية عدة، من مختلف المستويات، وتولى في صفوف المقاومة مواقع عديدة، وكان يمتلك شبكة علاقات واسعة مع الأوساط الإسلامية اللبنانية والفلسطينية". وقد حفلت حياته بفصول من الكفاح المستمر والمضني، ولم يثنه أي شي‏ء عن متابعة الطريق، على الرغم من تعرضه للاعتقال ثلاث مرات، وأصيب أربع إصابات، إحداها كانت خطيرة، إلا أن الجرح الوحيد الذي لازمه طوال سني حياته، والذي أضرم النار في فؤاده، أنه كان والأيام يتسابقان، حمل الموت بين جنباته وبقي الموت بعيداً عنه، وكم عزّ عليه البقاء حياً ... وكانت المسؤوليات الجسام التي أُوكلت إليه مقرونة بتحركات أمنية عالية الدقّة، فتعاطى معها بحسٍ أمني حيّر جهاز الاستخبارات الصهيوني. وبالتالي، فإن حياة أي فرد تدور في دائرة أمنية، تُفقده وأسرته بعضاً أو كثيراً من الاستقرار، ولكنّ مصلحة المقاومة بالنسبة إلى أبي حسن وعائلته هي الأهم.

وبين عمله وأهله، كان أبو حسن سلامة القائد والمربي والمرشد، والسند والملجأ، والأب والأخ .. وكما كان بين عائلته الرابط لهم بالحبّ والخير، ويسعى دائماً إلى جمعهم، كان المجاهدون هم العائلة الثانية التي (يتشرف بخدمتهم). بل إن اهتمامه بهم في بعض الأحيان فاق اهتمامه بعائلته. تذكر زوجته أنه عندما عاد من سفر عمل، لم يحمل معه هدايا لأحد من أولاده أو أقاربه، ولكنه حمل أغراضاً للمقاومين المرابطين على الثغور، أولئك الإخوة الذين كان يعتبرهم أبو حسن أولاده، ويؤازرهم في كل محن الحياة. كان معهم عند انطلاقهم مجموعاتٍ لتنفيذ العمليات العسكرية، وبينهم وهم يجلسون في قلب المغاور الباردة يقرأون الأدعية، ويشقون بدموعهم دروب الغائب (عج) .. ولطالما رفع بين كفّيه شباباً تربوا أمام عينيه، وكان أول من حمّلهم السلاح، فسبقوه إلى حيث تعبت قدماه من السير، وارتاحت نفوسهم، فيما بقي يغالب أدمعه الحمراء وحرقة قلبه من بقائه حياً. كان صاحب الكلمة الفصل في حل مشاكلهم الحياتية، حيث إن الإخوة كانوا يشكون له مشاكلهم الخاصة جداً، وهذا دليل على أن الشهيد أبا حسن، تميّز فعلًا بفرادة شخصيته المختزلة لعدة مواقع في الحياة ..

بعد عمرٍ مديد من الجهاد المستمر، اعتبر" أبو حسن سلامة" على رأس قائمة المطلوبين ل-" سرائيل"، ورجلًا مسؤولًا عن إهراق الكثير من دماء الإسرائيليين في جنوب لبنان". وقد تعرّض للعديد من محاولات الاغتيال، أبرزها كان خلال حرب" عناقيد الغضب"، عندما قصفت الطائرات الإسرائيلية سيارته، ما أدى إلى استشهاد قريبته (...). أضف إلى أن جهاز المقاومة الإسلامية فكك العديد من العبوات التي زُرعت على طرقات يسلكها في الجنوب ..

لقد حيّرت تحركاته الأمنية استخبارات العدو، وإصراره على التنقل وحيداً من دون مرافقة كان يقلق الإخوة في المقاومة. أما هو، فقد كان المودع دائماً، المستشهد قبل أعوام طويلة من انفجار العبوة الأخيرة التي زُرعت له على طريق عبرا صيدا من قبل اليهود .. فكيفما تحرّك يسأل أهله وعائلته ورفاقه، أن يدعوا له" بالشهادة التي تأخرت عملياً عنه" ..

عندما استشهد ابنه حسين أثناء تأدية واجبه في بداية العام 1999، شعر بأنه فقد جزءاً من نفسه، وخصوصاً أنه في الفترة الأخيرة، كانت صداقته مع ولديه" حسن" و" حسين" اللذين أصبحا شابين، توطّدت وتميزت، وتحولت أيضاً إلى علاقة قائد مع مجاهديَن من مجاهدي المقاومة الإسلامية .. وكان قبل أن يخرج من منزله متوجهاً إلى العمل ينظر إلى صورة ولده حسين، ويقبّل يده، ويسأله أن يرسل بطلبه، وأنامله التي ما تعوّدت إلّا على تذخير السلاح بالرصاص تسبّح بهمس على سبحة ولده التي اعتبرها إرثاً له.

وكان ذلك النهار من آب، هيأ أبو حسن سلامة نفسه للذهاب إلى الجنوب كعادته، وطلب إلى زوجته مرافقته، لكنها اعتذرت إليه لأنها كانت مريضة جداً. أنجز بعض الأعمال في بيروت، وعاد وسألها مرافقته، فكررت اعتذارها .. عصر ذلك اليوم، طلبت زوجة الشهيد أبي حسن سلامة رقم زوجها أكثر من مرة .. لكنّ المجيب الصوتي في كل مرة كان يرد عليها، فأبو حسن سلامة وضع أخيراً، وبعد طول انتظار، نقطة الختام الجميلة لحياته المليئة بالتضحية والجهاد والإيثار والعطاء، وانفجر جسده إثر عبوة ناسفة، بعد أن أنهك الصهاينة باستنزافهم الدائم .. وما تبقّى من رفاته يد حضنت برفق سبحة" حسين" بين أصابعها ..

بعد أقلّ من عام على رحيل أبي حسن سلامة، دخل المجاهدون حاملين رايات حزب اللَّه المنتصرة إلى كونين .. كونين التي غاب عنها علي ديب فتى‏ صغيراً، ولم يعد إليها إلا ذكرى مجيدة وأغنية نصر على شفاه المقاومين .. آهٍ، قم يا أبا حسن، هذه كونين قد خلعت نقاب الاحتلال، ومدّت اشتياقها معابر للعائدين .. انظر إليها عروساً فكّت جدائلها سنابل خير لغدٍ حرّ .. ارمقها أمّاً تزغرد في عرس الشهادة .. تعالَ إليها يا أبا حسن، فإنها تبحث عن وجهك بين الوافدين، تناديك .. تغنيك .. تركض حافية على طرقات الشوك لملاقاتك، وشمس الحرية تلفح وجهها الجنوبي المقاوم. لطالما انتظرتك كونين يا أبا حسن، انتظرتك أن تأتي وابنك حسين، ليكون أول من يدخل حاملًا راية حزب اللَّه ترفرف عالياً. آه يا أبا حسن، لو أن عشقك انتظر قليلًا .. لو أن موعد سفرك تأخر .. لكنتَ الآن تصلي على التراب الذي أفنيت عمرك لأجله، وكنا نأتمّ بك أيها القائد والأب والمربي، سلام عليك يا أبا حسن ..

* من كلماته‏

" عبرتُ ذكريات الماضي الأليم بشوقي إليك سيدي .. ولمستُ دقائق ولحظات اللقاء بنشوة المتألم الفرح بك مولاي .. كم تؤلمني وتسعدني الذكريات، وكم أستعيد مواقف عزيزة على قلبي وروحي!. آه يا نور عيني وضياء عمري وبلسم جراحاتي النازفة على مرّ الليالي الطوال، سيّدي، كم يعتريني الشوق إليك، وكم يعصر فؤادي الحنين لما وعدت من أطاعك وأحبّك وعمل جاهداً في سبيلك .. لعلّي سيدي ضللتُ الطريق، فمشيت ومشيت حتى أصل، والدرب على العاشقين درب طويل طويل! يا من أحبّ وأهوى، أعطني سؤلي وحقق أمنيتي بشهادةٍ مباركة برضاك ورحمتك، يا سيدي ويا كل أملي الكبير والعظيم ...".

 مجلة بقية الله